ابن قيم الجوزية
531
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الأفعال . فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل . وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول ، فالمؤمن ذلول . كما في الحديث « المؤمن كالجمل الذلول . والمنافق والفاسق ذليل » وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق : الكذاب . والنمام . والبخيل . والجبار . وقوله : « أعزة على الكافرين » هو من عزة القوة والمنعة والغلبة . قال عطاء رضي اللّه عنه : للمؤمنين كالوالد لولده . وعلى الكافرين كالسبع على فريسته . كما قال في الآية الأخرى : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] وهذا عكس حال من قيل فيهم : كبرا علينا ، وجبنا عن عدوكم * لبئست الخلّتان : الكبر ، والجبن وفي « صحيح مسلم » من حديث عياض بن حمار رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه أوحى إليّ : أن تواضعوا ، حتى لا يفخر أحد على أحد . ولا يبغي أحد على أحد » . وفي « صحيح مسلم » عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر » . وفي « الصحيحين » مرفوعا : « ألا أخبركم بأهل النار ؟ كل عتلّ جوّاظ مستكبر » . وفي حديث احتجاج الجنة والنار « أن النار قالت : ما لي لا يدخلني إلا الجبارون ، والمتكبرون ؟ وقالت الجنة : ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم » وهو في الصحيح . وفي « صحيح مسلم » عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي اللّه عنهما قالا : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه عزّ وجلّ : العزّة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني عذبته » . وفي « جامع الترمذي » مرفوعا عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه « لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في ديوان الجبارين . فيصيبه ما أصابهم » . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يمر على الصبيان فيسلم عليهم . وكانت الأمة تأخذ بيده صلى اللّه عليه وسلم . فتنطلق به حيث شاءت . وكان صلى اللّه عليه وسلم إذا أكل لعق أصابعه الثلاث . وكان صلى اللّه عليه وسلم يكون في بيته في خدمة أهله ، ولم يكن ينتقم لنفسه قط . وكان صلى اللّه عليه وسلم يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويحلب الشاة لأهله ، ويعلف البعير ويأكل مع الخادم ، ويجالس المساكين ، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما ، ويبدأ من لقيه بالسلام ، ويجيب دعوة من دعاه . ولو إلى أيسر شيء . وكان صلى اللّه عليه وسلم هين المؤنة ، ليّن الخلق . كريم الطبع ، جميل المعاشرة ، طلق الوجه بساما ، متواضعا من غير ذلّة ، جوادا من غير سرف ، رقيق القلب رحيما بكل مسلم خافض الجناح للمؤمنين ، ليّن الجانب لهم . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ألا أخبركم بمن يحرم على النار ؟ - أو تحرم عليه النار - تحرم على كل قريب هيّن ليّن سهل » رواه الترمذي . وقال : حديث حسن . وقال : « لو دعيت إلى ذراع - أو كراع - لأجبت ، ولو أهدي إليّ ذراع - أو كراع - لقبلت » رواه البخاري .